اللوحة الثالثة
ركب أيلول السيارة بعد الانتهاء من امتحان نهاية العام ولم يكن تقديمه للامتحان جيدا , ووضع رأسه على المقود فسمع صوت دقيق ينقر نافذته، ألتفت أيلول فوجد أستاذه " محمد الشربيني ", فتح الباب وسلم عليه بكل احترام فهو الأستاذ الأقرب , وصاحب الفضل الكبير في غرس مبادئ تاريخ الفن عند أيلول ومتابعته وتوجيهه، وأيلول يكن له كل احترام ولا يسمع لأحد غيره, حيث أنه الدكتور محمد كان المشجع الأول منذ دخول أيلول عالم الفن.
فتح باب السيارة و رحب بالدكتور, فقال دكتور لأيلول: كيف حالك يا كلاسيكي.
أيلول : دكتور محمد .. أهلاً وسهلاً..
دكتور محمد: لم أنت حزينا إلى هذا الحد هل هناك ما يسيئك ؟. هل كان تقديمك للامتحان سيئا ؟
أيلول يبتسم قائلا : نعم.. فلم أقدم بالشكل المطلوب.
دكتور محمد: منذ فترة لم تزرني بالمكتب لكنت قد ساعدتك في بعض أوراق المراجعات للامتحان لكن لا بأس..من يجتهد يجد مراده , بالمناسبة مسودة البورترية المدروسة بأسلوب ليوناردو التي تركتها لي على المنضدة , هل أقتبستها من شخصية واقعية أم من الكتب التي قدمتها لك ؟ .
أيلول : كلا إنه اقتباس من مجلة .. وما الذي تراه في التخطيط هل اقتربت من الأسلوب..؟
فتل د. محمد شاربة الكثيف وقال : الانطلاق بقوه بهذا النهج شيء جميل ونادر, ويدك تحمل قدرة رائعة لكنها خائفة ومتعثرة وعليها الكثير من الغبار, تماما مثل الطفل حين يبدأ بالنطق تجده دائماً يقوم بحذف بعض الكلمات واستبدالها, وحين يزول الخوف منها ستتكلم يدك بطلاقه , كما انك تحتاج إلى دراسة رسوم دافنشي بالفحم وهي نادرة, فهي تتعمق بشرح المبادئ.
أيلول : بالفحم .. !
دكتور محمد: هناك مجموعة نادرة قليلاً ما نجدها بالكتب العالمية ، المسودات ورث الفنان و الأكثر أهمية فمن الصعوبة أن تجدها..
أيلول: لدي أغلب المسودات لكن يبدو أنك تخفى عنى شيئاً هذه المرة يا دكتور.
ابتسم الدكتور محمد وأخرج من جيبه كتاب صغير بحجم علبة الدخان ورفعه أمام وجه أيلول وهو يقول: أنه مكتوب باللغة الاوكرانية لكن يحتوي على لوحات نادرة مستخرجه من بعض المستكشفين الروس وأعلم أنك بحاجة إلى دراستها.. تفضل .
أيلول: لقد قدمت لي الكثير دكتور محمد ولا أعلم متى أرد الجميل..
دكتور محمد: أيلول الحياة ليست إلا عطاء.. وأنا متأكد من أن ً يوما ما سيخرج أيلول جديد نشيط وطموح, وستكون أنت مكاني حينها ستعرف قيمة العطاء والفنان الصادق يقدم طوال حياته ولا يكسب شيئا ً..
أيلول : كل ما أتمناه هو أن أصل إلى مقدارك يا دكتور .
دكتور محمد: ستصل إن شئت.. حدثني الآن كيف حال الامتحان معك.
راح أيلول يحك فروة شعر رأسه المتجعدة ويقول: لا أعلم..هناك بعض الأسئلة كانت صعبة بعض الشيء
فوضع د.محمد يده على رأس أيلول ثم قال : اجعل الدراسة في نصب عينيك أولا ثم التفت إلى ما يشتهيه فؤادك وتهواه .
فمشى الدكتور محمد وهو يقول : أراك لاحقا ..وأتمني لكل التوفيق.. أريد المزيد من المسودات فلا تتوقف.. يا كلاسيكي..
أيلول : لك ذلك وهو يبتسم .
لكل فرد طموح خيطاً رفيعاً لا يراه أحد، يتمسك به الفرد حتى يصل على مراده بالقمم، لكن الحياة تملؤها الأشواك وأيلول أقدم على أو مرحلة في حياته يقع في قلب هذه المرحلة بستانا جميل لكن لابد من الشوك أن يعيق.
****
وبعد مرور أسبوع من التفكير والقلق استلم الشهادة من الكلية، فكانت النتيجة أنه نجح, و فرح فرحاً شديداً لهذه النتيجة وبقي يناقش موضوع الوظيفة أو مواصلة دراسته مع أبيه، وكانت القرارات التي توصل إليها بعد البحث في القضية أن يكمل الدراسة في مجال الفن.
قرر أيلول بعد فترة تقارب الشهرين أن يكمل دراسته , فسأل عن أصدقاءه عن طرق الاستفسار عن استكمال الدراسة , وأرشدوه إلى وزارة التعليم العالي أو كلية الدراسات التجارية فأن هناك قسم يتكفل بإرشاد الخرجين الراغبين في الاستكمال الدراسي ,فتوجه إلى أحد الكليات للنظر في الدراسات العليا.
اللوحة الرابعة
دخل أيلول في لباسه الأنيق والشكل المهذب حاملا أوراقه إلى تلك الكلية عصراً، فلم يجد أحدا في هذه الكلية حيث كانت الغرف خاوية إلا بعضاً من القاعات وراح يجوب هذه الكلية ليتأملها وفي أحد الدهاليز المظلمة ,وجد أيلول غرفة مضاءة، وكانت هذه الغرفة الوحيدة المضيئة في هذا الممر.
وقف أيلول مستغرباً عند هذا الباب، وقرعه ثم دخل فرأى بداخلها فتاة ذات شعر كستنائي اللون ولباس يدل على أنها موظفة في الجامعة أو شيء مشابه، وكانت هذه الفتاه ترتب أوراقاً وظهرها مقابل لأيلول فقال لها بأدب أيلول: مرحبا... عفواً.. ألا يوجد أحد في الكلية؟
فأجابته الفتاة دون أن تلتفت إليه قائلة: أهلا، ألا تعلم أن هذا اليوم عطلة ولا يوجد أحد...( وهي ترتب الأوراق ) ؟ .
أيلول: عطلة.... ! اليوم ليس الخميس ولا الجمعة فما العطلة إذا ؟ .. التفتت نحوه ببطيء قائلة اليوم سيدي الفاضل عطلة عيد الاستقلال – فنظرت إليه ثم توقفت منبهرة لقد كانت هذه الفتاه خيال... !
فقال أيلول: ( مندهشا ).خيال..كيف.. من أين؟
قالت خيالا: ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ ويا لها من الصدفة أذلك.لم أنني معيدة في هذه الكلية.أيلول: لا، لم أدرك ذلك.. كيف حالك ؟
خيال : بخير ، وأنت كيف حالك ؟ وهل تخرجت ؟
أيلول: نعم, وهاأنذا أود أن أكمل دراستي في كليتكم هذه.
خيال:مبروك التخرج أين ستكون العزيمة ؟
فقال أيلول : سأقوم بإرسال " طبق قوزي " إلى هذه الكلية لكن بعد أن تساعديني .
ضحكت وأبرقت أجنادها الرقيقة , ثم قالت : أما زلت ترسم وتمارس هوايتك ؟ .. ( تبتسم )
أيلول : نعم الهواية والفن الذي تكرهينه ..
فابتسمت وقالت : أيلول أرجو أن تكون من الذين يعذرون ويقبلون العذر إذا أخطأ شخص في حقهم، فأنا لم أشأ أن أقلل من مكانة الفن، وإنما كان رأيي في الفن التشكيلي محايداً وغير صارم مثلما عرفت، وقد اقتنعت بعد أن قدمت الحجج الكافية لي .
أيلول: لن أقبل عذرك هذا حتى تقولي لي متى وكيف أسجل في هذه الكلية ؟
نظرت إليه بعينيها الناعستان وأجابت : إنها عملية بسيطة ، لكن لو أتيت في وقت غير هذا الوقت لكان هناك من يرشدك إلى كيفية إكمال دراستك .
نظر إليها أيلول وهو يحاول أن يسألها عن اهتمامها به بعد اللقاء الأول لكنه لم يجد ما يقوله تجاه ذلك، وكان يود أن يبين لها عن مدى انجذابه إليها لكنه لم يستطع.
فقال: إن أردت أن أستفسر عن بعض المواضع حول التسجيل والقبول في هذه الدراسات فهل يمكنني أن أكون على اتصال بك ؟
ارتبكت خيالا فهذا ما أرادته لكنها لم تجرؤا على قوله... لتضارب الأفكار لديها
فقالت : حسنا .. وبكل تأكيد.. أيلول لكن لغرض واحد فقط..
أيلول : .طبعا...
أعطاها أيلول رقم هاتفه، وأثلجت الحمم التي كانت تضطرم في عقله، وبدأت هنا أول خطوة من العلاقة بين خيال وأيلول.
يتبع..
No comments:
Post a Comment